ابن قيم الجوزية
182
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
هدى الذكر للأنثى ، واختار هذا القول صاحب « النظم » ، فقال : معنى هدى : هداية الذكر لإتيان الأنثى كيف يأتيها ، لأن إتيان ذكران الحيوان لإناثه مختلف ، لاختلاف الصور والخلق والهيئات ، فلولا أنه سبحانه جبل كل ذكر على معرفة كيف يأتي أنثى جنسه ، لما اهتدى لذلك . وقال مقاتل أيضا : هداه لمعيشته ومرعاه . وقال السدي : قدّر مدة الجنين في الرحم ، ثم هداه للخروج . وقال مجاهد : هدى الإنسان لسبيل الخير والشر والسعادة والشقاوة . وقال الفراء : التقدير : فهدى وأضل ، فاكتفى من ذكر أحدهما بالآخر . قلت : الآية أعم من هذا كله ، وأضعف الأقوال فيها قول الفراء ، إذ المراد هاهنا الهداية العامة لمصالح الحيوان في معاشه ، ليس المراد هداية الإيمان والضلال بمشيئته ، وهو نظير قوله : رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ( 50 ) [ طه ] . فإعطاء الخلق : إيجاده في الخارج ، والهداية : التعليم والدلالة على سبيل بقائه وما يحفظه ويقيمه ، وما ذكر مجاهد فهو تمثيل منه ، لا تفسير مطابق للآية ، فإن الآية شاملة لهداية الحيوان كله ناطقه وبهيمه طيره ودوابه فصيحه وأعجمه ، وكذلك قول من قال : إنه هداية الذكر لإتيان الأنثى ، تمثيل أيضا ، وهو فرد واحد من أفراد الهداية التي لا يحصيها إلا اللّه ، وكذلك قول من قال : هداه للمرعى ، فإنّ ذلك من الهداية ، فإنّ الهداية إلى التقام الثدي عند خروجه من بطن أمه ، والهداية إلى معرفته أمه دون غيرها ، حتى يتبعها أين ذهبت ، والهداية إلى قصد ما ينفعه من المرعى دون ما يضره منه ، وهداية الطير والوحش والدواب إلى الأفعال العجيبة التي يعجز عنها